ابن كثير
338
البداية والنهاية
دخول نائب السلطنة سيف الدين تشتمر ( 1 ) وذلك في أوائل رمضان يوم السبت ضحى والحجبة بين يديه والجيش بكماله ، فتقدم إلى سوق الخيل فأركب فيه ثم جاء ونزل عند باب السر ، وقبل العتبة ثم مشى إلى دار السعادة والناس بين يديه ، وكان أول شئ حكم فيه أن أمر بصلب الذي كان قتل بالأمس والي الصالحية ، وهو ذاهب إلى صلاة الجمعة ، ثم هرب فتبعه الناس فقتل منهم آخر وجرح آخرين ثم تكاثروا عليه فمسك ، ولما صلب طافوا به على حمل إلى الصالحية فمات هناك بعد أيام ، وقاسى أمرا شديدا من العقوبات ، وقد ظهر بعد ذلك على أنه قتل خلقا كثيرا من الناس قبحه الله . قدوم قاضي القضاة بهاء الدين أحمد بن تقي الدين عوضا عن أخيه قاضي القضاة تاج الدين بن عبد الوهاب قدم يوم الثلاثاء قبل العصر فبدأ بملك الأمراء فسلم عليه ، ثم مشى إلى دار الحديث فصلى هناك ثم مشى إلى المدرسة الركنية فنزل بها عند ابن أخيه قاضي القضاة بدر الدين بن أبي الفتح ، قاضي العساكر ، وذهب الناس للسلام عليه وهو يكره من يلقبه بقاضي القضاة ، وعليه تواضع وتقشف ، ويظهر عليه تأسف على مفارقة بلده ووطنه وولده وأهله ، والله المسؤول المأمول أن يحسن العاقبة . وخرج المحمل السلطاني يوم الخميس ثامن عشر شوال ، وأمير الحاج الملك صلاح الدين بن الملك الكامل بن السعيد العادل الكبير ، وقاضيه الشيخ بهاء الدين بن سبع مدرس الأمينية ببعلبك وفي هذا الشهر وقع الحكم بما يخص المجاهدين من وقف المدرسة التقوية إليهم ، وأذن القضاة الأربعة إليهم بحضرة ملك الأمراء في ذلك . وفي ليلة الأحد ثالث شهر ذي القعدة توفي القاضي ناصر الدين محمد بن يعقوب كاتب السر ، وشيخ الشيوخ ومدرس الناصرية الجوانية والشامية الجوانية بدمشق ، ومدرس الأسدية بحلب ، وقد باشر كتابة السر بحلب أيضا ، وقضاء العساكر وأفتى بزمان ولاية الشيخ كمال الدين الزملكاني قضاء حلب ، أذن له هنالك في حدود سنة سبع وعشرين وسبعمائة ، ومولده سنة سبع وسبعمائة ، وقد قرأ التنبيه ومختصر ابن الحاجب في الأصول ، وفي العربية ، وكان عنده نباهة وممارسة للعلم ، وفيه جودة طباع وإحسان بحسب ما يقدر عليه ، وليس يتوسم منه سوء ، وفيه ديانة وعفة ، حلف لي في وقت بالايمان المغلظة أنه لم يمكن قط منه فاحشة اللواط ولا خطر له ذلك ، ولم يزن ولم يشرب مسكرا ولا أكل حشيشة ، فرحمه الله وأكرم مثواه ، صلي عليه بعد
--> ( 1 ) كان قد أخلع عليه في جمادى الآخرة نيابة السلطنة في الشام . ( بدائع الزهور 1 / 588 ) .